الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
83
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وعلم من اسم السّلّم أنه آلة الصعود ، وعلم من ذكر السماوات في الآية قبلها أن المراد سلم يصعدون به إلى السماء ، فلذلك وصف ب يَسْتَمِعُونَ فِيهِ أي يرتقون به إلى السماء فيستمعون وهم فيه ، أي في درجاته الكلام الذي يجري في السماء . و فِيهِ ظرف مستقر حال من ضمير يَسْتَمِعُونَ ، أي وهم كائنون فيه لا يفارقونه إذ لا يفرض أنهم ينزلون منه إلى ساحات السماء . وإسناد الاستماع إلى ضمير جماعتهم على اعتبار أن المستمع سفير عنهم على عادة استعمال الكلام العربي من إسناد فعل بعض القبيلة إلى جميعها إذا لم تصده عن عمله في قولهم : قتلت بنو أسد حجرا ، ألا ترى أنه قال بعد هذا فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ ، أي من استمع منهم لأجلهم ، أي أرسلوه للسمع . ومثل هذا الإسناد شائع في القرآن وتقدم عند قوله تعالى : وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وما بعده من الآيات في سورة البقرة [ 49 ] . و ( في ) للظرفية وهي ظرفية مجازية اشتهرت حتى ساوت الحقيقة لأن الراقي في السّلّم يكون كله عليه ، فالسلم له كالظرف للمظروف ، وإذ كان في الحقيقة استعلاء ثم شاع في الكلام فقالوا : صعد في السلم ، ولم يقولوا : صعد على السلم ولذلك اعتبرت ظرفية حقيقية ، أي حقيقة عرفية بخلاف الظرفية في قوله تعالى : وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [ طه : 71 ] لأنه لم يشتهر أن يقال : صلبه في جذع ، بل يقال : صلبه على جذع ، فلذلك كانت استعارة ، فلا منافاة بين قول من زعم أن الظرفية مجازية وقول من زعمها حقيقة . والفاء في فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ لتفريع هذا الأمر التعجيزي على النفي المستفاد من استفهام الإنكار . فالمعنى : فما يأتي مستمع منهم بحجة تدل على صدق دعواهم . فلام الأمر مستعمل في إرادة التعجيز بقرينة انتفاء أصل الاستماع بطريق استفهام الإنكار . والسلطان : الحجة ، أي حجة على صدقهم في نفي رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، أو في كونه على وشك الهلاك . والمراد بالسلطان ما يدل على اطلاعهم على الغيب من أمارات كأن يقولوا : آية صدقنا فيما ندعيه وسمعناه من حديث الملأ الأعلى ، أننا سمعنا أنه يقع غدا حادث كذا وكذا مثلا ، مما لا قبل للناس بعلمه ، فيقع كما قالوا ويتوسم منه صدقهم فيما عداه . وهذا معنى وصف السلطان بالمبين ، أي المظهر لصحة الدعوى .